ملا محمد مهدي النراقي

71

جامع السعادات

المعيشة وكان حرصه في تحصيل هذا القدر دون الزائد منه وكان قصده الاستعانة به على الدين ، وكذا كان حرص الغني وإمساكه في هذا القدر بهذا القصد ، فحال الوجود أفضل لأن الفقد يصده عن أمور الدين لاضطراره في طلب القوت ، وهو أولى بالتفضيل إذا كان قصد الغني ذلك وكان مطلوب الفقير فوق الحاجة ، أو قدر الحاجة بدون قصد الاستعانة به إلى أمر الدين . وإن كان مطلوب كل منها فوق الحاجة ، أو لم يكن قصدهما الاستعانة به على أمر الدين ، فالفقد أصلح وأفضل ، لأنهما استويا في الحرص وحب المال ، وفي عدم قصد الاستعانة به على الدين ، لكنهما افترقا في أن الواجد يتأكد حب الدنيا في قلبه ، ويطمئن إليها لأنسه بها ، والفاقد يتجافى قلبه عنها اضطرارا ، أو تكون الدنيا عنده كالسجن الذي يطلب الخلاص منه . وهو أولى وأحرى بالتفضيل ، إذا كان قصد الفقير ذلك وكان قصد الغنى فوق الحاجة ، أو قدر بدون الاستعانة به على أمر الدين . ( الثالث ) في الترجيح بين فقير حريص متكالب على الدنيا ليس له هم سواه ، وغنى هو دونه في الحرص على حفظ المال ، وتفجعه بفقد المال لو فقده أقل من تفجع الفقير بفقده ، والظاهر حينئذ كون الفقير أسوأ حالا ، إذ البعد عن الله بقدر قوة التفجع بفقد المال ، والقرب بقدر ضعف التفجيع به . فصل ما ينبغي للفقير ينبغي للفقير ألا يكون كارها للفقر من حيث إنه فعل الله ومن حيث أنه فقر ، بل يكون راضيا به طالبا له فرحانا به لعلمه بغوائل الغنى ، وأن يكون متوكلا في باطنه على الله ، واثقا به في إتيان قدر ضرورته ، ويكون قانعا به ، كارها للزيادة عليه ، منقطع الطمع عن الخلق ، غير ملتفت إلى ما في أيديهم ، وغير حريص على اكتساب المال كيف كان ، وأن يكون صابرا شاكرا على فقره ، قال أمير المؤمنين ( ع ) : " إن لله عقوبات بالفقر ، ومثوبات بالفقر ، فمن علامات الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن عليه خلقه ، ويطيع به ربه ، ولا يشكو حاله ، ويشكر الله تعالى على فقره ، ومن